خواطر شخصية

كلّ شيء يمضي، حتى المضيّ نفسه --- فكّرت طويلا في الوقت، فلم أجده. لا أعني أنني لم أجد تعريفاً له، بل أعني أنني حين مددت يدي لأمسك باللحظة التي أعيشها الآن، وجدتها قد صارت ماضيا قبل أن تكتمل في وعيي. الوقت لا يمسك، لأنه ليس شيئاً يُحمَل، بل هو الحركة ذاتها، الانزلاق الدائم من "الآن" إلى "كان". وهنا يبدأ القلق الحقيقي. ليس الخوف من الموت، بل الخوف من شيء أدق وأشد إيلاما: أن كل لحظة تموت وحدها، بلا رثاء. تمرّ الساعات ونحن نظنّ أننا نعيشها، لكننا في الحقيقة نشهد جنازاتها المتتالية. كل ضحكة انتهت لن تعود بعينها. كل صمت مضى لم يترك أثراً إلا في ذاكرة تتآكل هي الأخرى. الفناء ليس حدثاً يقع في النهاية. الفناء هو النسيج الذي نحاك منه. --- لكنني توقفت عند سؤال أعمق: إن كان كل شيء يفنى، فما الذي يجعل لحظة ما تبقى في الروح كأنها لم تمض؟ نعرف جميعاً تلك اللحظات، تفاصيل صغيرة علقت في الذاكرة بلا استئذان. رائحة مطر في طفولة بعيدة. صوت شخص أحببناه قبل أن نعرف معنى الفقد. ضوء غروب رأيناه مرة واحدة فقط، لكنه لا يزال يسكن مكاناً ما في داخلنا. هذه اللحظات لا تبقى لأنها كانت استثنائية، بل لأننا كنا حاضرين فيها بالكامل. كنا، للحظة، خارج الزمن لأننا كنا داخل الحياة تماماً. وربما هنا تكمن الإجابة التي لا نريد أن نسمعها: الفناء ليس عدوّنا، بل هو المعلّم الصارم الذي يقول لنا في كل لحظة: هذه لن تتكرر، فهل أنت هنا؟ --- نحن نهرب من فكرة الفناء لأننا نفهمها على أنها خسارة. لكن ماذا لو كانت دعوة؟ دعوة لأن تعيش هذه المحادثة كأنها الأخيرة. أن تنظر إلى من تحبّ كأن هذا الوجه سيغيب. أن تجلس مع نفسك في صمت كأن هذا الصمت نعمة لا تدوم. الفلاسفة القدماء كانوا يرددون: "memento mori", تذكر أنك ستموت. لكنهم لم يقصدوا الحزن، بل قصدوا اليقظة. أن تعيش بوعي من يعرف أن الوقت ليس ملكه. --- وفي نهاية هذا التأمل، أجد نفسي أمام حقيقة تبدو متناقضة: الوقت يفنى، وأنا أفنى معه. لكن هذا الإدراك ذاته، هذا الوعي الذي يرى الفناء ويتأمله ويكتب عنه، هو ربما الشيء الوحيد الذي يشبه الخلود. ليس لأنه يدوم، بل لأنه يعرف أنه لا يدوم. وفي هذه المعرفة، شيء من النور. --- أثر ووعي

تعليقات